الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فلسطينى.. فاشل وراء نهاية عابد كرمان في الجاسوسية!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد سعد
عضو رائع
عضو رائع


ذكر
عدد الرسائل : 1104

بلد الإقامة : مصر



نقاط : 2846
السٌّمعَة : 4

مُساهمةموضوع: فلسطينى.. فاشل وراء نهاية عابد كرمان في الجاسوسية!   1/9/2011, 09:08

فلسطينى.. فاشل وراء نهاية عابد كرمان في الجاسوسية!



بوابة الوفد
كتب: محمد عبداللطيف وجمال عبدالمجيد

لم تهنأ إسرائيل كثيراً بانتصارها في حرب يونيه 1967. فقبل أن تستريح ويلتقط شعبها أنفاسه.. تبددت نشوة الغرور،
فالمعارك لم تهدأ، وتوالت بصورة أكثر ضراوة.. في حرب الاستنزاف التي كانت تدور مشاهدها بشكل مباغت علي الضفة الشرقية لقناة السويس، ولم يكن غريباً أن تصاحب هذه المعارك حالة من القلق والانزعاج لدي حكومة تل أبيب. وكان ذلك باعثًا لبعثة الرعب في قلوب قاطني الدولة العبرية.
كل هذا كان يسير بالتوازي مع المعارك الذهنية في حروب الجاسوسية، فكلا الطرفين القاهرة وتل أبيب دخل جولات متصلة في المعارك الخفية للوصول إلي معلومات ثمينة من التي يتم تداولها أو التفكير فيها خلف الكواليس، فبينما نجحت القاهرة في الحصول علي أخطر الوثائق الخاصة بخط بارليف عبر الجاسوس عابد كرمان.. واستطاعت اختراق أهم وأكبر شركات المقاولات الإسرائيلية المنفذة للتحصينات العسكرية.. كانت المفارقات العجيبة تفتقر إلي سطح ملعب التجسس.. وتدعو للتوقف أمامها كثيرًا.. ففي التوقيت الذي استطاع فيه عابد كرمان اختراق شركة «سوليل بونيه» بادعاء الحصول علي عملية مقاولات من الباطن.. كانت في الجانب الآخر محاولات الموساد الإسرائيلى لا تتوقف بحثاً عن تجنيد بعض المصريين من العاملين في شركة المقاولون العرب عثمان أحمد عثمان التي كانت تقوم بتنفيذ عمليات إنشائية لمواقع عسكرية.. ولم تكن هذه المحاولات بعيدة عن عيون جهاز المخابرات العامة المصرية.. التي كانت ترصد جميع التحركات.. وجري في تلك الأثناء القبض علي شبكة تعمل لصالح إسرائيل داخل المقاولين العرب. وألقى القبض عليها.. وأعدم زعيمها «بهجت حمدان» قبل أن تتمكن هذه الشبكة من الحصول علي أية معلومات.. لكن في المقابل كان هناك إنجاز غير عادي، تعجز كل مفردات اللغة عن وصفه بدقة، لما كان له من أثر بالغ الأهمية في انتصارات أكتوبر 3791.. وهو الحصول علي خرائط ووثائق خط بارليف.. علي أيدي «عابد كرمان»، الذي تربع علي عرش الجاسوسية وتوغل بعلاقاته المتينة التي مهدت له توجيه ضربته الناجحة، فهو يقدر جيدًا قيمة هذه الوثائق والرسوم حق قدرها، لأنها تشتمل علي كل التفاصيل أحجام الخرسانات والأتربة - مواقع الدبابات والمدافع، وحجرات ماكينات الكهرباء - خنادق الاتصالات وجميع المواقع الحاكمة. وعلي أثر ذلك تنامت علاقات عابد كرمان في المجتمع الإسرائيلي، وأصبح في وضع يسمح له بالتجول في سيناء حيفا الحربي. ذلك المكان الذي أرهق تفكيره من أجل التسلل إليه. فقد كانت صلته القوية بديان، هي جواز المرور الذي يدخل به كل المناطق المحظورة، وتفتح له أبواب الخزائن الموصدة.. وأصبحت حياته تنساب بنعومة جراء الثقة والزهو.. فبعد حصوله علي أخطر الأسرار العسكرية في الاستراتيجية الدفاعية للدولة العبرية.. لم تزد مطالب المخاطرات المصرية عن حثه علي توطيد صلاته بالشخصيات المهمة.. وتسجيل الأقوال التي يرمي بها موشي ديان في أي لقاء يجمعهما سوياً.. ولم يتم تكليفه بأية تعليمات إضافية.. وجعله هذا يعتقد أن القاهرة قررت تجميد نشاطه، وكان ذلك بالنسبة لتفكيره مجرد اعتقاد.. فهو لم يكن يعلم أن قرار تجميد نشاطه قد اتخذ بالفعل. بعد أن أدي المهام المكلف بها ببراعة. فكانت المخابرات المصرية قد رأت ضرورة سحبه من الميدان، لكي يقيم مع زوجته «مونيك» بعيداً عن إسرائيل.. وسيتم إبلاغه بذلك إثر استدعائه إلي باريس، فقد كانت هناك خشية من اكتشاف أمره في تل أبيب بعد اتساع دائرة الشبكة التي قام بتجنيدها. وفي تلك الأثناء، كان عابد يتحرك بلا هدف محدد، مدفوعاً بشهوة البحث عن مزيد من النجاحات يضيفها إلي رصيده في لعبة الخطر. ملقيًا خلف ظهره كل حسابات الدقة المسبقة، فقرر زيارة صديقته القديمة «ديانا مطر» في مقر عملها وما أن نظرت إليه بارتباك.. داعبها ببعض العبارات وكلمات الإطراء.. لكنه قبل أن يسقط أسيرًا في فخ الغواية.. خرج مسرعًا، وكأن كتيبة من الكلاب البوليسية تطارده، وهو يحاول الهرب منها.. وبالصدفة تقابل في طريقه وهو يهرول أحد معارفه «خالد الزهر» تبادلا سوياً حديثًا قصيراً، وانصرف كلاً منهما إلي حال سبيله. «خالد الزهر» هذا كان مدرسًا فلسطينيًا، يعمل في مدرسة ابتدائية، قريبة من مزرعة «عابد» في حيفا. وهجر مهنة التدريس، وافتتح مطعمًا صغيراً في منطقة وادي النسناس. وبعد فترة قصيرة أغلق المطعم وأعلن إفلاسه. وبعدها التحق بالعمل في وكالة «دوف جريفر» للسفريات، صاحبها يهودي إسرائيلي.. كان من الممكن أن يمر اللقاء العابر مع «الزهر» بدون أي أثر.. لكن الجشع دائماً هو الجشع يقود إلي التهلكة دون أن يمنح صاحبه فرصة للتبصر.

علي الفور تداعت الأفكار إلي ذهن «عابد كرمان» وداعبت طموحاته التي أطلق لها العنان بدون رؤية، فقد ذهبت تلك الأفكار التي أن «ديانا مطر» لن تستطع الاستمرار في سرقة جوازات السفر من الشركة التي تعمل بها، لكن «الزهر» يمكنه القيام بهذه المهمة، لأن الموظفين في وكالة «دون جريفر» أكثر عددًا وتتوه بينهم الجريمة دون أن يتمكن أحد من تحديد شخصية السارق.. خاصة أن «الزهر» يملك قدرًا عاليًا من الطموح والرغبة في الثراء للخروج من أزماته المالية، وحالة الفقر التي يعيشها. إضافة إلي أنه فلسطيني وليس لديه مصالح تغري بالانحياز لسلطات الحكم في إسرائيل. بعد هذه القناعة لم يكن أمام «عابد» سوي توطيد علاقاته بهذا الشخص الذي التقاه بصورة عابرة. وفي أحد اللقاءات التي جرت أثناءه جس النبض. روى «كرمان» القصة التقليدية عن حاجته إلي جواز سفر لأحد أعوانه في شبكة تهريب الماس. ليتنقل به في أوروبا، ويحتمي به من الإنتربول. ونجح في إقناع «الزهر» بالقيام بهذه المهمة مقابل 005 ليرة عن كل جواز يقدمه له. وفي أعقاب الاتفاق الذي تم بينهما بدأ عابد في الترتيب لتجنيده وضمه لشبكة التجسس بشكل كامل. فكان يعتقد أنه يصلح فرازًا ماهرًا لمئات المسافرين الوافدين لإسرائيل والخارجين منها عبر وكالة «دون جريفر». فعل هذا بشكل فردي، دون أن يخطر المخابرات المصرية بأي شيء من الترتيبات والتصرفات التي تجاوز بها نطاق الأمان.
بعد أن تسلم أول جواز سفر من «الزهر» لفتت زوجته «مونيك» نظره إلي وجود سيارة ميكروباص تراقب منزله وتتبع سيارته في الشارع، لكنه لم يهتم، ولم يخطر بباله وجود علاقة بين السيارة وعلاقته بالعميل الجديد. والأرجح أن الشعور الدائم بالزهو الذي وصل إلي حد الغرور وراء عدم اكتراثه بما يجري حوله. إضافة إلي صلته القوية بجيورا زايد مدير المخابرات في حيفا، والعلاقة الحميمة بديان. قطعاً كل هذه العوامل ولدت يديه إحساساً قوياً بالتفوق، جعله أكثر استهتاراً بعملية تافهة مثل تجنيد مدرس فاشل أشهر إفلاسه، متجاهلاً تلك القاعدة المهمة التي تدرب عليها.. وهي أن الأشياء التافهة وتلك البالغة الأهمية، يجب أن تلقي عناية فائقة في عالم المخابرات والجاسوسية.
وفي نهاية المطاف سمح «عابد» لنفسه بارتكاب مخالفة صارخة لقواعد مهنة الخطر، بأن راح يجري ويلهث وراء إغراءات «خالد الزهر» دون أن يضع أمامه أية حسابات، فخضع لضغوط، ما كان يجب أن يخضع لها، بل لم يكن من اللائق بأي حال من الأحوال علي شخص تربع علي عرش العاملين في الحقل السري، أن يمنح طرف آخر الفرصة لممارسة ضغوط عليه من الأساس.

عرض عليه «الزهر» تفاصيل وبيانات الجواز الذي يريد سرقته فوجد اللهفة تسيطر عليه للحصول علي هذا الجواز. وراح «الزهر» يماطله، فاضطر «عابد» أن يفصح عن موعد سفره إلي باريس وأنه في أمس الحاجة إلي هذا «الجواز».. وكان البوح بموعد السفر آخر خطأ في سلسلة الأخطاء العقيمة التي ارتكبها، دون أن يخطر ضابط المخابرات «يوسف» المسئول عن تشغيله وتدريبه.
حصل «الجاسوس» علي جواز السفر الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهره، وبددت زهوه، ففي اللحظات الأخيرة التي سبقت السفر لمقابلة الضابط يوسف في باريس، الذي كان يستعد لإخباره بقرار القاهرة سحبه من إسرائيل. والإقامة في أي دولة أخري مع زوجته، شعر عابد بأن الزهر يراقب تحركاته. فأثناء دخوله أحد البنوك لتحويل «عملة». كانت نظرات الحقد تنبعث من عين «الزهر».. في تلك اللحظة سيطرت مشاعر الخطة علي «عابد».. وكان أشبه بمن يقفز من طائرة مستعيناً بمظلة تأبي أن تفتح.. إنه يفكر ويخاف وييأس، ويتعلق بآمال خرافية. لكنه يندفع بسرعة نحو الأرض. فقد تبقي علي سفره 8 ساعات فقط، وكان تلك الساعة القليلة ثمينة للغاية.. أسرع إلي مسكنه ونزع جهاز الإرسال اللاسلكي من مخبئه. وحزمه مع الكاميرا المتناهية الصغر، وشرائط الثغرة. وجداول مواعيد الإرسال. وبقيت أمامه مشكلة تفجير هذه المعدات كلها.. وكان يحتفظ بالمسحوق الرمادي الضروري لعملية التفجير، لكنه خشي من إحداث الانفجار.. فتزاحمت الأفكار في رأسه.. حاول دفن هذه المعدات في مزرعته ثم تراجع، وسار في الشارع مثل المجنون وتوقف أمام محل يبيع علب الكرتون.. اشتري علبة، ووضع فيها كل هذه المعدات الكئيبة، وغلفها جيداً، ودخل مكتب البريد، وأرسل الطرد البريء علي عنوان «001 هل جيت لندن مس سوزان أجينو». وانصرف ليشعل النار في الإيصال الذي تسلمه من موظفي البريد.

الغوص في تفاصيل هذا التصرف يذهب بنا إلي الاعتراف بأن عالم الجاسوسية حافل بالمواقف الشاذة والغريبة.. فقد كان عابد كرمان أول جاسوس في العالم، يعيد إلي رؤسائه معدات التجسس عن طريق البريد، بمجرد افتضاح أمره.. ومن الأشياء المثيرة للدهشة، أن الطرد وصل بكامل محتوياته إلي أيدي المخابرات المصرية.
بعد ذلك أيقن - حسب تصوره - أنه في مأمن من أي خطر، فاستعد للذهاب إلي مطار «اللد» ومنه إلي باريس. وفي طريقه من منزله بصحبة زوجته.. أدرك أن سيارات مجهولة تطارده، وعند وصوله للمطار حاول التظاهر بالتماسك وعدم القلق. فلم يكن أمامه مهرب، لكن في تلك اللحظات التي تمر سريعاً، أدرك أن الخطأ القاتل الذي ارتكبه، ويفوق كل الأخطاء دفعة واحدة.. فكانت ترقد إلي جوار قدميه حقيبة هاند باج. في قاعها جواز سفر باسم «تسفي هيرتزوج» من عميك بيت شان.
تم التفتيش وألقي القبض علي عابد كرمان وذهبوا به إلي حجرات التحقيق في مكاتب المخابرات، ويروي «كرمان» تفاصيل التحقيق معه إلي ماهر عبدالحميد في مبني المخابرات، وفق ما جاء في كتاب كنت صديقًا لديان.. قائلاً: زارني رجل من طراز جديد، رجل يرتدي جاكيت اسبور ويتميز بحول في عينه اليمني ويتحدث العربية بطلاقة وقد قدم نفسه لي باسم سامي وكان واضحاً أنه من يهود العراق، ويتخذ هيئة صديق هبط علي من السماء. وقال إنه ينصحني بالاعتراف لأنهم يعرفون أنني علي صلة بالمصريين ولكن أهم ما أفصح عنه صديقي سامي كان علي الجرة، الجرة الملعونة التي أهديتها لديان، فقد فحصوا الجرة واتضح أنها مزيفة.
كان سامي يلعب دوره في لعبة الاستجواب بسذاجة، واحد شرير يوسعك ضرباً وواحد يحبك من أول نظرة ويتدفق بالمودة، ولكن نبأ الجرة كان حقيقياً وكان بمثابة صدمة لي لذلك قررت أن أنفذ المراحل التي تعلمتها في المدرسة، اعتراف مفصل يبدو مقنعاً ولكنه لا يكشف التفاصيل الدقيقة المفرطة في الأهمية، وفي المراحل المتقدمة مزيد من الاعترافات ولكنها جميعاً تدور في إطار واحد محدد لا يجوز الخروج عنه أبداً.

وقد اعترف بأن الرجل الذي طلب الجواز ويدعي محمد قد عرفني علي شخص آخر وهو الذي أعطاني الجرة لتسليمها لديان، وأنني كلفت بعد ذلك بجمع أية معلومات وإرسالها إلي لندن ولما سئلت عن وسيلة التراسل أجبت بأنني كنت أبعث بخطابات مكتوبة علي عنوان مس سوزان أجنيو 001 هل جيت لندن، ويبدو أن المخابرات الإسرائيلية بحثت هذه النقطة بعناية لأنهم أبلغوني بعد ثلاثة أيام أن مس سوزان غادرت هذا العنوان يوم 41 يناير قبل الظهر، وفي مرحلة لاحقة واجهني دافيد باعتراف منسوب إلي توفيق فياض، فأيدت كل أقواله التي تنحصر في أنني دفعت له رشوة في مقابل أن يعاونني لتمرير الجرة في الجمارك. واتضح لي أثناء الاستجواب أنهم لا يكتبون اسم ديان، ويبدو أن ذلك هو السبب في أنهم أنهوا استجوابي بسرعة. فقد نقلت إلي مركز الشرطة بعد أن وقعت علي اعترافاتي، وهناك قضيت ليلة نقلت بعدها إلي مركز رئاسة الشرطة في حيفا، وكان يدي مقيدتين بقيود فرنسية، أسوأ أنواع القيود هي هذه الفرنسية، بيضاء صغيرة ولكنها غير قابلة للكسر، وبعد ذلك عرضت علي حاكم الصلح، حاكم الصلح في حيفا امرأة قبيحة عمرها ستين سنة تدعي شتاركمان، كانت تدخن سجائر رخيصة وتغالب النوم وفي النهاية أمرت بتوقيفي خمسة عشر يوماً ثم نقلت إلي مبني المخابرات في لوحامي هاجيتووت.

وفي هذه الزيارة استقبلت استقبالاً مختلفاً اختلافاً بينا عن الزيارة السابقة، فقد أدخلت إلي مكتب في الطابق الأول وسمح لي بالجلوس علي مقعد وبعد دقائق جاء لمقابلتي ذلك العراقي الوسيم المدعو سامي، ولدهشتي الشديدة سألني عما إذا كنت أرغب في احتساء شيء من القهوة، واحد وعشرون يوماً لم أذق فيها طعم القهوة ولكني رفضت فقدم لي سيجارة ثم بدأ حديثه، وعرفت أنني سأقدم للمحاكمة وأن من السهل الإيعاز للمحكمة بتخفيف الحكم بشرط أن أعترف بكل ما في جعبتي، ولما نفيت بشدة أنني أحتفظ بأي شذرة من المعلومات غير ما أدليت به عاود المحاولة بأسلوب أكثر نعومة، ولكني أقسمت أني لا أخفي شيئاً، وفي النهاية طلب مطلبًا بدا لي غريباً، أن اعتراف أمام المحكمة بصلتي بالمصريين وأن أخفي صلتي بديان عندئذ سألته: والمدير؟
- أي المدير؟ هكذا سألني هو الآخر وقد قطب جبينه.
- جيورا زايد، صديقي الذي لم يحاول أن يلقي علي نظره.

- حسناء.. يجب أن تخفي اسمه هو الآخر.

كانت المحكمة مشكلة من ثلاثة قضاة، وفي أول جلسة سألني الرئيس السؤال التقليدي الذي يبدو بلا معني:

مذنب أم غير مذنب وقد أجبت بأنني غير مذنب، عندئذ رفع الرئيس الجلسة وأمرني بأن أوكل أحد المحامين فابتسمت.
وفي الجلسة الثانية فوجئت بحضور محام يدعي (يعقوب دافيد) وهو رجل تشيكي علي دراية بالقانون ومكتبه في حارة الملك داود رقم 21 بتل أبيب، وعندما اقترب مني سألته عمن وكله بالدفاع عني فأخبرني أن رجلاً فرنسياً زاره فى مكتبه وزعم أنه صهري ودفع له أتعابه مقدماً ومن هذا المحامي عرفت أنهم وضعوا زوجتي علي ظهره باخرة يونانية وطردوها من البلاد وفي هذه الجلسة استمعت المحكمة الموقرة لمرافعة النيابة والدفاع، وصدر الحكم في ثالث جلسة بسجني اثنتي عشرة سنة ولكن النيابة استأنفت الحكم وقضت محكمة الاستئناف بزيادة العقوبة إلي ستة عشر سنة وهكذا نقلت إلي سجن الرملة.
ومن العجيب أن الصحافة الإسرائيلية كانت ملهمة أكثر من جهاز المخابرات، فقد ضخموا من قصتي بشكل أخاذ، فأطلقت علي الجيروزاليم بوست اسم الجاسوس الطائر واستحوذت علي هذا اللقب في كل الصحف الأخري، ويوماً بعد يوم اكتسبت لقباً إضافياً، فكانوا أحياناً يطلقون علي وصف هارجيل هامعوفيف وأحياناً أخري هادج هاشمين وهذه تعني في العبرية السمكة السمينة.

وفي سجن الرملة كانت تنتظرني معاملة لائقة بي. إذ وضعت علي الفور في (الاكسات) وهي زنزانات مخصصة لعتاة المجرمين والسجناء المشاغبين. وهناك يجب أن تنام بلا سرير وأن تقبع في الحبس الانفرادي بينما السجناء في ساحة السجن أو المكتبة أو قاعة الطعام، وهناك أيضاً تصبح أنت العالم كله، ويظل هذا الإحساس يتضخم في أعماقك إلي حد أنك بعد فترة من الوقت - تطول وتقصر حسب استعدادك النفسي - تحس بالغربة حتي تجاه الطعام الذي يلقيه إليك الحارس بانتظام، وتفقد شهيتك بالتدريج وتتعود الإحساس بالجوع، وبمعني أوضح، تصبح مسجوناً مرتين، مسجوناً داخل عالم السجن.
مرت الشهور في سجن الرملة.. واندلعت حرب أكتوبر 1973 بالعبور إلي الضفة الشرقية، وتحطيم خط بارليف بعد اكتشاف جميع الثغرات من خلال الوثائق، التي لم يتحدث عنها عابد في التحقيقات التي جرت معه. وانتهت بسجنه، لكنه لم يكن بعيداً عن متابعة جهاز المخابرات العامة المصرية، حتي وهو داخل السجن. وما أن انتهت جولة المعركة الطاحنة، وخلت مرحلة المفاوضات.. وكان عابد كرمان.. علي أجندتها في المناقشات المغلقة.. والتي وصفت بأنها كانت مرهقة بين السادات وهنري كيسنجر.. وانتهت بموافقة إسرائيل علي تسليمه إلي القاهرة وتم استدعاؤه إلي مبني الموساد، ومنها إلي الصليب الأحمر. وأثناء عملية تسليمه، قال له القائد العسكري الإسرائيلى إنها أول مرة في تاريخ الجاسوسية تقوم دولة بتسليم أحد رعاياها إلي أعدائها، لكن عابد كرمان رد قائلاً: ومن قال لك أني إسرائيلى.. أنا فلسطيني عربي، أحمل الجنسية الإسرائيلية واستلمته المخابرات المصرية وداخل مبني الجهاز التقي بماهر عبدالحميد المتخصص في الكتابة عن الجاسوسية. وروي له تفاصيل رحلته مع العالم السري التي دونت في كتاب «كنت صديقاً لديان».
ومن المفارقات المثيرة أن عابد كرمان أقام في القاهرة بروكسي وسافر مع زوجته إلي باريس.. واختفي وتوفي منذ نحو شهرين في باريس ودفن في حيفا.

انتهت قصة عابد في العالم الغامض ولم تنته حروب الجاسوسية.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحمد صوفى قطب
عضو متميز
عضو متميز


ذكر
عدد الرسائل : 500

بلد الإقامة : مصر


نقاط : 709
السٌّمعَة : 4

مُساهمةموضوع: رد: فلسطينى.. فاشل وراء نهاية عابد كرمان في الجاسوسية!   3/11/2016, 17:39

موضوع رائع
جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فلسطينى.. فاشل وراء نهاية عابد كرمان في الجاسوسية!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشاعر عبد القوى الأعلامى :: المنتديات السياسية والإخبارية :: أخبار الحوادث والقضايا-
انتقل الى: