الشاعر عبد القوى الأعلامى



 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 ابن قتيبة وابن طباطبا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هويدا رأفت الجندى
مراقب عام
مراقب عام


انثى
عدد الرسائل: 4821

بلد الإقامة: مصر



نقاط: 4155
السٌّمعَة: 11


مُساهمةموضوع: ابن قتيبة وابن طباطبا   14/9/2009, 02:24

ابن قتيبة وابن طباطبا والمنظور الثنائي في فهم النص الأدبي:‏


الارتكاز على ثنائية اللفظ والمعنى كان هو منظور ابن قتيبة في معالجة النص الأدبي، صحيح أنه في بعض المواضع يتحدث عما أسماه بـ :"معجز التأليف وعجيب النظم" ، وهو يبحث بلاغة القرآن أو يشير إلى بعض خصائص بنية الشعر كما تتمثل في كونه محروساً "بالوزن والقوافي وحسن اللفظ" ، لكن الأساس الثنائي المحكوم بالمعنى واللفظ يظل قاعدته في مقاربة النص البليغ. ومن هنا لا يكاد يولي البنية العامة اهتماماً، ولا يظهر ولعاً بالحديث عن تلاحم الأجزاء في النص، وعن ضرورة الانتظام المتكامل لعناصر البنية ليتحقق لها سهولة المعاطف وسلاسة النظام، كما ألح الجاحظ. ولعل ابن قتيبة بهذا الموقف يحتل مرتبة أدنى منه، إلا أن اهتمامه المستمر بالمعنى وتبنيه منظوراً قيميّاً يؤسس عليه رأياً في جدوى الخطاب قد يشفع لـه في مباشرة الشعر من زاوية أضربه الأربعة كما يرى. ولعله قصد باهتمامه بالقيمة إكمال النقص في نظرية الجاحظ التي أولت صورة المعنى الاهتمام الأول، واعتبرت البحث في أخلاقية المعنى ميداناً غير الحكم على الشعر أو النص البليغ عموماً، إذ إن جوهره الصياغة الجميلة للمعنى وليس المعنى في ذاته.‏

مدخلنا إلى قراءة مقاصد ابن قتيبة من المعنى واللفظ رأيه في بيتي شعر "للمرقش" يوردهما من جملة أمثلته للضرب الرابع الذي يراه أدنى أضرب الشعر الأربعة، وهو الذي "تأخر معناه وتأخر لفظه"، يقول بعد أن يورد البيتين معلقاً: "والعجيب عندي من الأصمعي، إذ أدخله في متخيره، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الروي، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى" ، وحشده مصطلحات الوزن والروي واللفظ في مقابل المعنى في نقد أنموذج شعري تنتفي منه جودة المعنى واللفظ معاً، يسعف في تبين قصده من هذين الركنين الأساسيين، إذ يستنتج طه أحمد إبراهيم من تعليق ابن قتيبة السالف أنه يريد "باللفظ التأليف والنظم، يريد الصياغة كلها بما تضمه من لفظ ووزن وروي، ويريد بالمعنى الفكرة التي يبين عنها البيت أو الأبيات" . فالصياغة تفرز باعتبارها محصلة تشكيل المعنى كما تتجسد في اللفظ والوزن والروي عند نثرها فكرة، وسيمكننا رأي ابن قتيبة في الفكرة المنثورة من تصور رأيه في المعنى الذي يتنزل عنده في مستويين: مستوى قيمي أخلاقي يشكل محصلة تصوره وظيفة الشعر، ومستوى صوري يبدو مضمناً في اللفظ – الصياغة. وكمال الخطاب الأدبي لديه هو في تعاضد قيمة المعنى وأخلاقيته، وخلابة الصياغة ونضارتها، إذ يجمل الموقف في تعليقه على شعر يورده بأنه "كثير الوشي لطيف المعاني" .‏

يكشف كمال الجودة في الطرفين في الضرب الأول الذي "حسن لفظه وجاد معناه" عن اعتماد ابن قتيبة على الصياغة الجميلة والمعنى الأخلاقي معاً. فالتعليقات التي يرسلها عقب ما يورده من نماذج لتشخيص هذا الضرب تدليل على هذا المنطلق، إذ يقول إثر النموذج الأول: لم يقل في الهيبة شيء أحسن منه، وعقب الثاني: لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من هذا، وعقب الثالث: يذكر رواية عن الأصمعي فحواها أن هذا أبدع بيت قالته العرب، والبيت لأبي ذؤيب هو قوله:‏

والنفس راغبة إذا رغّبتها وإذا تردّ إلى قليل تقنع‏

أما تعليقه عقب النموذج الرابع الذي يُجسّم ثقل الهرم على نفس الشاعر فهو قوله: ولم يقل في الكبر شيء أحسن منه، لتنتهي أمثلة هذا الضرب بقول النابغة:‏

كليني لهمّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب‏

ثم يرسل رأيه في أنه "لم يبتدئ أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب" . فإذا كانت الصياغة الجميلة حسب رأي ابن قتيبة تكفل لهذه النماذج ولمثيلاتها الانضواء تحت المظلة الشعرية... فإن فائدة المعنى وجدواه أخلاقياً تكملان قالب الصياغة الحسن، إلا أن الطابع الحكمي والمباشرة في الخطاب قد تقللان من شعرية مثل هذه النماذج كبيت أبي ذؤيب السابق، ولا شك أن هذه الصفة لم تكن لتمنع ابن قتيبة من إقرار أسبقية مثل هذه النماذج، ذلك أن الموقف عنده مشروط برؤية أخلاقية في وظيفة الشعر حيث تتبوأ لديه هذه الوظيفة مكانة سامية .‏

ويولي ابن قتيبة المعنى في ذاته، في إطار ما عرف به من صدق أو اقتصاد أو إسراف أو غلو، وبما يمكن أن يحتويه من عيوب أخرى مثل أخطاء الشعراء عموماً أهمية، ولكن موقفه من القضية غير حاسم، فهو في بعض المواضع ينتصر للإفراط مثلاً، إذ يرى "ذلك جائزاً حسناً" ولعل ذلك كان نتيجة "لدفاعه عن إعجاز القرآن وإبطال رأي القائل بأنه كذب" ، ولكنه في مواضع أخرى يقر بعيب هذا المنحى في القول .‏

ويسعفنا الضرب الذي "جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه" في تدقيق ثنائية الصياغة والمعنى، ذلك أن القيمة الأخلاقية هي التي تكفل لنماذج هذا الضرب جودة المعنى في حين تقصر الصياغة عن تحقيق الإبانة اللائقة. من أمثلة هذا الضرب قول لبيد بن ربيعة:‏

ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح‏

إذ يعلق على هذا البيت بقوله: "هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق" . ولعل مباشرة الخطاب والقالب الحكمي الصارخ والمستوى العقلي الواضح كانت كلها وراء جفاف هذا البيت من الماء والرونق حسب رأي ابن قتيبة، لكن الاحتكام إلى أخلاقية المعنى أو الاحتكام إلى أمر خارج عن خصائص الصياغة ذاتها دفع البيت عن أن ينحط إلى الضرب الذي فسد معناه ولفظه.‏

وإحساس ابن قتيبة بضعف الصياغة في هذا الضرب صريح في تعليقه على بيت النابغة مصوراً فزعه من وعيد النعمان:‏

خطا طيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع‏

إذ يقول: "رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينة لمعناه" ، ونحسب في قولـه: "ولا مبينة لمعناه" اقتراباً من خصائص الصياغة ذاتها وإقراراً بتولد المعنى منها مما سيعطي لثنائية اللفظ والمعنى خاصية العنصرين المتلاحمين في البنية الموحدة، يتضح ذلك – كما يبدو لنا – في الضرب الذي "حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى" ، ويمثل لهذا الضرب بأبيات الحج المعروفة ثم يختمها بهذا التعليق: "هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته، ولما قطعنا أيام مِنى، واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح" . وإقرار ابن قتيبة بحسن صياغتها يعضده الإقرار أيضاً بأن "تحتمها معنى" ثم يشرع في نثر معاني الأبيات كما سلف، ولكن مقابلة هذا المعنى المبطن في الصياغة بقوله نافياً عن هذا الضرب "الفائدة في المعنى" إبانة ثنائية عن ثنائية المنظور الذي يحتكم إليه في بحث المعنى، إذ إن المعنى الذي تفرزه الصياغة لا يؤكد سبقاً أو جودة، إنما المسألة تجلوها فائدته، أي قيمته من حيث إنه يتنزل في إطار تصور اجتماعي وأخلاقي لقيمة الشعر، ولذلك تكون النماذج الباقية كلها التي يضربها لهذا النمط في الغزل، ومنها قول جرير: "في العيون التي في طرفها حور" . وهي تؤكد هذا المنحى الذي يقرُّ بتولد معنى في صياغة خلابة، لكن منزلته دونية أخلاقياً، ولعل هذا هو الذي جعل إحسان عباس يستنتج "أن المعنى عنده قد يعني الصورة الشعرية مثلما يعني الحكمة" .‏

الحق أن إحساس ابن قتيبة بصورة المعنى يظهر عميقاً في بحثه مجازات القرآن المصوغة على غرار مجازات الكلام عند العرب، فهذه الطرائق والمآخذ في القول التي تكسب القرآن خصائصه البلاغية تجعله ممتنعاً عن الترجمة، إذ "لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب" وإذا كان من فضائل العربية الاتساع في المجاز – كما يرى – فإن خصائص الإخراج القرآني للمعنى في صورة متفردة إقرار بتعاضد العناصر اللفظية مع المعنوية في الصياغة مما يجعل كل معنى خلاصة لإخراجه الصوري. "ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: (وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء( لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء" . وعلى الرغم من أن النقل هنا يتم في إطار اللغة الواحدة فإن فك بنية النص الأصلية والتصرف في معناه وإخراجه إخراجاً جديداً إدراك لتفاعل المعنى مع لفظه في العبارة الواحدة لأنه لا قدرة على الصرف في المعنى إلا يفك بنية اللفظ عموماً.‏

وخلاصة الرأي في ابن قتيبة أنه وإن أدرك لحمة المعنى واللفظ في إطار الصياغة الواحدة، إلا أنه ظل مشدوداً إلى الثنائية أيضاً، وربما كان ارتكازه في بحث المعنى على قيمته الأخلاقية سبباً في ترسيخ هذا المبدأ وتعطيل إمكانات مواجهة النص في ذاته والمصادرة على السياق وحده.‏

أما ابن طباطبا فعلى الرغم من رسوخ هذه الثنائية في فكره النقدي، وتأسيسه رأيه في النص الأدبي ومراحل وضعه وتعليله أزمة الشاعر المعاصر له وكذا تلقي القصيدة وتذوقها سيظل مشدوداً إلى هذه الثنائية، فإنه استطاع أن يؤلف من عناصر المعنى واللفظ والتأليف أو النسج كما يقول ثلاثياً راسخ الحضور في أغلب مقارباته النقدية، مركزاً في الآن نفسه على المشاكلة والمطابقة بين المعنى واللفظ .‏

وإذا كان المبدأ في علاقة المعنى واللفظ عنده هو مقولة الجاحظ في أن "الكلام الذي المعنى له كالجسد الذي لا روح فيه" التي إن أبرزت أهمية المعنى وأولويته فإنها تقرر تكامل الطرفين وجودياً إذ إن انعدام الروح من الجسد انعدام للحياة فيه، لكن ابن طباطبا وبناء على هذا الأصل يتصور، وهو يدعو إلى المشاكلة والمطابقة بين العنصرين، إمكانية حدوث التفاوت بينهما في الحسن مما يهدد النص بالوهن والرداءة. وهذا إن كشف عن تصور كمال كل طرف في ذاته إلا أن الدعوة إلى إيفاء المشاكلة حقها تخفف من حدة هذا التفاوت فللمعاني "ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها، فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض، وكم من معنى حسن قد شين بمعرضه الذي أبرز فيه، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه... وكم من حكمة غريبة قد ازدريت لرثاثة كسوتها، ولو جلبت في غير لباسها ذلك لكثر المشيرون إليها" . فإذا كان في مثل ما سلف" ما يؤكد الفصل بين عنصري الشكل والمحتوى داخل الصنعة الشعرية" . ويتصور الكمال في توافق جودة المعنى وحسن المعرض، فإن في دعواه إلى إيفاء المشاكلة حقها وانتقاء اللفظ الملائم للمعنى الملائم ما يكشف عن فهم أولي لتعاضد عنصري الدلالة ذلك أن "أحسن الشعر ما يوضع فيه كل كلمة موضعها حتى يطابق المعنى الذي أريدت لـه" ، فمبدأ المطابقة إذ يركز على ضرورة إحداث التشاكل بين المعنى واللفظ يسلم بتبعية اللفظ للمعنى في هذا المستوى ويجعل إيفاء مبدأ التشاكل حقه تحقيقاً للحمة الطرفين في ما يشبه الصوغ والسبك وانتظام العقد. يتجسد ذلك في "إيفاء كل معنى حظه من العبارة، وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أحسن زي وأبهى صورة واجتناب ما يشينه من سفاسف الكلام وسخيف اللفظ والمعاني المستبردة، والتشبيهات الكاذبة، والإشارات المجهولة، والأوصاف البعيدة، والعبارات الغثة، حتى لا يكون متفاوتاً مرقوعاً بل يكون كالسبيكة المفرغة، والوشي المنمنم والعقد المنظم، واللباس الرائق فتسابق معانيه ألفاظه" .‏

ويؤلف مبدأ المطابقة عند ابن طباطبا مقياساً في ضبط أقسام الشعر، والأثر المنطقي واضح في التقسيم وكذلك تأثير ابن قتيبة، إلا أن ابن طباطبا يعرض رأيه في أقسام الشعر انطلاقاً من مبدأ مقابلة اللفظ بالمعنى في مستويين، الأول لا يكاد يتجاوز الطرفين أنفسهما، أمّا الثاني الموسوم عنده بالائتلاف أو النسج فهو يمتد إلى عنصر البنية.وهذا العنصر يهيئُ لـه إمكان الامتداد بمفهومه للنص إلى مستوى كلي يطول علائق الدوال في المستوى التوزيعي ويشمل أيضاً بنية الأبيات في القصيدة الكلية. ففي مستوى التقسيم الأول يظل أميناً لطروحات ابن قتيبة، يرى أن من أبيات الشعر ما "تخلب معانيها للطافة الكلام فيها" . ويدقق هذا النوع أكثر في عودة أخرى تحت هذا الوصف الشامل للمعنى "الصحيح البارع الحسن، الذي قد أبرز في أحسن معرض وأبهى كسوة، وأرق لفظ" ، وإذا كان هذا يقابل ما حسن لفظه وجاد معناه لدى ابن قتيبة فإن النوع القادم الذي منه "الحكم العجيبة والمعاني الصحيحة الرثة الكسوة، التي لم يتنوق في معرضها الذي برزت فيه" يتوافق مع ما ضعف لفظه وجاد معناه عند ابن قتيبة. أما النوع الآخر الذي خلب معرضه ولم يحسن محتواه فإنه يتحقق في "الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعاً، الواهية تحصيلاً ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها، وتذكّر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها، وحكايات ما جرى من حقائقها دون نسج الشعر وجودته، وأحكام رصفه وإتقان معناه" . وإذا كانت أغلب الأمثلة التي يضربها لهذا الضرب خاصة هي أمثلة ابن قتيبة، فإن في إشارته الأخيرة إلى جودة النسج وإحكام الرصف ما يفسح المجال لاعتماد عنصر البنية في التقسيم، ومن هنا يتاح لكل المفاهيم المستخدمة في معالجة النص ممارسة حقها في الحضور، فضلاً عن أنه يستدرك ذكر القسم الرابع الذي تأخر معناه ولفظه فيذكره‏

تحت وصف "الأشعار الغثة الألفاظ، الباردة المعاني، المتكلفة النسج، القلقة القوافي" ، ويمثل له بأبيات اختل فيها النسج خاصة كما يبدو في عدم إيفاء الوحدات في المستوى التوزيعي حقها، إذ يظهر الفساد في التقديم أو التأخير وكذا التعقيد أو التكرار، أو فاسد الاستعارة، ثم يعيد صياغة الضرب الكامل الذي استوفت عناصره حقها من الإتقان فيرتقي إلى مرتبة "الأشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعاني الحسنة الرصف السلسة الألفاظ" .‏

وعلى الرغم من أن المنظور القيمي في نقد المعنى ماثل في تصور ابن طباطبا ومحكوم برأيه في الصدق ذي الشقين اللذين هما عنده: خارجي ويبدو في ضرورة الأمانة في نقل الموصوف النقل الذي لا يلحق أي تحريف أو تشويه بخلقته، ويتطابق فيه المعنى مع أصوله الاجتماعية العقلية، وداخلي يتجسد في قصد الصدق في التعبير عن ذات النفس ، فإن الإلحاح على المطابقة بين المعنى واللفظ وتحسّس نسج النص يكشف عن الاهتمام بكل العناصر النصية، وإن لم يترتب على ذلك تصور الوحدة في شكل تفاعل المستويات المختلفة، بل يكاد يغلب عليها مبدأ الوصف لعناصر تكاد تكتمل في ذاتها يتحقق لها نوع من الانسجام والتأليف انطلاقاً من تضام كمالات شبه مستقلة.‏

وتأخذ فكرة التطابق أو التشاكل مداها في معالجة ابن طباطبا مختلف القضايا التي لها صلة بالنص، ويتحقق ذلك ابتداء من تصور وضع القصيدة وضبط علائق العناصر في تتاليها المرحلي، والأساس في ذلك الاعتماد على مبدأ الصنعة، ومن هنا يكون واجباً على "صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة حسنة، مجتلبة لمحبة السامع له والناظر بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه فيحسه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً ويبدعه معنى، ويجتنب إخراجه على ضد هذه الصفة فيكسوه قبحاً ويبرزه مسخاً، بل يسوي أعضاءه وزناً ويعدل أجزاءه تأليفاً" .‏

تحتل عناصر المعنى واللفظ والتأليف مراكز فعل الصنعة، والمحور الذي يدور عليه هذا الفعل هو إيفاء كل عنصر حقه قصد إحداث الائتلاف بينها جميعاً، إذ لا يتحقق الائتلاف في نظر ابن طباطبا إلا بإيفاء العناصر حقها من الإتقان، فتبرز القصيدة مستوية الأعضاء عمقها روح وظاهرها جسم. والحق أنه إذا كان إمكان تصور العناصر منفردة متحققاً في هذا الوصف، فإنه لا وجود لكيان القصيدة التام إلا بتضام هذه العناصر في شكل متناسق، حيث إن تأكيد مبدأ التطابق يؤول إلى تحقيق القصيدة وحدة عناصرها جملة. ويتحقق ذلك في رصده مراحل صنعة القصيدة في قوله: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله. فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها..." . ولا يهمنا في مقامنا تعقب مراحل التنقيح التي تختم مراحل الصنعة، وإنما يهمنا تحسس فهمه تضام العناصر في الصنعة وكيفية تآلفها.‏

فإذا كان اعتماد الشاعر على وجدانه يقل في هذا المفهوم للصنعة، ويكون معتمده "على" عقله "في استحداث التناسب والملاءمة بين الجزء من ناحية، وبين الأجزاء والكل من ناحية أخرى" (، وأن الشعر لديه يصبح "جيشان فكر" قائماً على الوعي التام المطلق" ؛ فإننا لا نعتقد أنه "من الواضح أن المعنى الذي مخض في الفكر نثراً، لن يتغير جوهره، كل ما يطرأ عليه هو تقبله للصياغة الجديدة، وظهوره من خلال شكل متميز، لكن المعنى في ذاته يظل متصفاً بالحياد" ، ذلك أن "الوعي الأولي بالموضوع مقتضى أساسي للإبداع" ، فمخض المعنى في الذهن نثراً، إنما هو استحضار الأغراض أو المقاصد، هو الانطلاق من المعاني الملقاة في الطريق. وعندما يتكامل فعل الصنعة يتحقق للشاعر "بيت يشاكل المعنى الذي يرومه"، وما دام البيت نفسه يمثل خلاصة تشاكل معنى ولفظ ووزن وقافية، فهو في كيانه الكامل يتوافق مع المرام والقصد، هذا الأخير الذي يشكل أرضية القول، ولو كان المعنى النثري المخيض في الذهن يظل محتفظاً بجوهره كاملاً في الصياغة الشعرية لما أمكن تحقيق البيت "الكامل" الذي يشاكل المعنى أو الغرض المقصود، إذ إن البيت يحتوي معناه، ومطابقته القصد هو تنزله وفق مقتضيات أغراض الشعر ومراميه، يؤكد ذلك إلحاح ابن طباطبا على مراعاة التطابق بين المعنى واللفظ وكذلك الوزن والقافية، يقول محللاً بقية فعل الصنعة "وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله"؛ وكل هذا يؤكد ولع ابن طباطبا بانتقاء العناصر اللفظية والصوتية الموافقة للمعنى، فإذا أضفنا أن هذا الأخير يشكل منطلق الإبداع، وأنه محكوم بقيم ثقافية راسخة في الفعل الشعري العربي تحدد بموجبها للشاعر أغراض القول، وحدود المعاني بحسب المقتضيات الاجتماعية والأخلاقية واللغوية عامة، أمكن الإقرار باستحالة بقاء المعنى في وضع محايد، إذ "كيف إذن يبقى التلاقي الموضوعاتي بدون اثر على تراكيب اللغة" ؛ وما دام المنطلق هو استحضار الوعي الأولي بالغرض، فإن كل اقتطاع من هذا الأصل لبنية دالة إنما يقوم على تطابق المعنى واللفظ، دون أن ندعي أن تصور هذا التطابق متماثل مع الوعي بتفاعل الوحدات في السياق، إلا أن هناك إلحاحاً على ضرورة إيفاء العنصرين الرئيسيين في النص حقهما في التشاكل والتآلف.‏

ويشبه حال الشاعر في إيفاء وحدات نصه انسجامها وتآلفها حال "النساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويف ويسدّه وينيره، ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه، وكالنّقاش الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها" . والقصد من هذه التشابيه المختلفة تقريب فعل الشاعر أثناء مباشرته عملية الصنعة، إذ إن غايتها الأولى ضرورة الإحساس العميق بكيانات العناصر المشكلة للنص بحيث ينبغي أن تصاغ وفق مبدأ التآلف والتنسيق، تماماً كطرائق إخراج الصنائع المذكورة. وهذا المبدأ يطول أبيات القصيدة كاملة دون أن يتجاوز كيان البيت الواحد أيضاً "فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع هل يشاكل ما قبله". وعلى الرغم من أن المشاكلة الحادثة بين الأبيات وبين مصراعي البيت الواحد قائمة على أشكال من النسبة المنطقية أو وحدة المعنى الذي يراعي التآلف العقلي، فإن في امتداد بحثه في النص الأدبي إلى أن يغطي البنية الكلية تخفيفاً من غلواء هذه النظرة المنطقية خاصة أن رأيه ينم عن إحساس بضرورة تحقيق صلة عميقة بين مستويات النص، وربما لم تسعفه النماذج المتوفرة لإيفاء تصوره النظري بالتطبيق الملائم، هذا التصور الذي تؤدي مراعاته إلى أن "تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً... لا تناقض في معانيها، ولا وهي في مبانيها، ولا تكلف في نسجها، تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقاً بها مفتقراً إليها" .‏

ورأيه في السرقات مؤسس على فكرة الثنائية نفسها إذ يرى أن الشاعر إذا تناول "المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه" . وإذا كان هذا إقراراً بسبق المعنى عند مباشرة صياغته، فإن ذلك لا يعني أن إخراجه الجديد يتطابق مع صورته القديمة.‏

وهذا الموقف من السرقات الشائع لدى أغلب النقاد يتماشى مع تصور المعنى في النقد العربي القديم عموماً، إذ كان مجال الاختراع محدوداً فيه.‏

وهو كالمعطى السابق يحصر حدود الاختراع أو الابتداع في هامش الصياغة التي تتجدد بها حياة هذا المعنى.‏

وفي السياق نفسه يكون تصوره محنة شعراء زمانه إذ يرى أنهم "قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح، وحيلة لطيفة، وخلابة ساحرة" ؛ ومن هنا يكون الإغراب والأناقة في الصياغة ممر المحدثين إلى القبول "والشعراء في عصرنا إنما يحابون على ما يستحسن من لطيف ما يوردونه من أشعارهم وبديع ما يضربونه من معانيهم وبليغ ما ينظمونه من ألفاظهم، ومضحك ما يوردونه من نوادرهم، وأنيق ما ينسجونه من وشي قولهم" . فالبليغ والبديع والاغراب والأنيق كلها علامات على رسوخ مبدأ التأنق في الصياغة وهي عناصر تطول المعنى واللفظ والنسج حيث تكشف أن الشعرية باتت رهن الإغراق في الصنعة، وأنها تمس عناصر البنية كلها.‏

ويكون مبدأ تضام الأجزاء وتطابقها لتحقيق كمال الصياغة معوّله في تحقيق كمال الفهم المتذوق للشعر، ذلك أنه إذا "اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تمَّ قبولـه له، واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن، وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه" ، وإشارته إلى خطر نقصان بعض أجزاء الشعر التي يعمل بها على الفهم قد يكشف عن فهم آلي للبنية تبدو فيه الأجزاء مستقلاً بعضها عن بعض، قائمة صلتها على مبدأ الإلصاق والتجاور، لكن الذي يشفع لابن طباطبا أنه في موقف معياري يضطره تقصي الخطأ والصواب إلى ذكر الأجزاء التي يمكن أن يطولها، كما أن القنوات التي يجتازها الخطاب لتحقيق التلقي محكومة بالذهن والسمع، فكان أن عدد المواصفات ضمن شروط التقبل العقلي والتقبل الحسي، فكان شرط حسن اللفظ واعتدال الوزن متمشياً مع لذة السمع، وضابط الصحة في المعنى مسايراً لشرط الذهن لقبول الخطاب – حسب رأيه – وإن كان كمال القبول يتحقق بأن يكون الكلام سالماً من جور التأليف موزوناً بميزان الصواب لفظاً ومعنى وتركيباً .‏

والخلاصة أن ابن طباطبا إذ يتحرك في ضوء تصوره النص على أساس من اللفظ والمعنى، يسمح له تبني فكرته عن التأليف أو النسج بمسح العناصر النصية في انبساطها الكلي في شكل بنية عامة للقصيدة، وهذه إن ظلت محكومة بشكل من أشكال التراص، فإن الإحساس بضرورة تحقيق الانسجام والسلاسة في النسج حتى يتحقق للقصيدة أن تكون كالكلمة الواحدة اقتراباً من تبني فكرة عن وحدة المستويات المختلفة في النص، يزيده تعميقاً رأيه في تشاكل اللفظ والمعنى. وسيتحقق لهذه المنطلقات مزيد من العمق لدى قدامة بن جعفر الذي سيصادر أساساً في معالجته النص على صورة المعنى وعلى فكرة الائتلاف.‏


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوتر الحزين
مدير عام ( أ )
مدير عام ( أ )


ذكر
عدد الرسائل: 18803
العمر: 47

بلد الإقامة: مصر




نقاط: 26782
السٌّمعَة: 121


مُساهمةموضوع: رد: ابن قتيبة وابن طباطبا   14/9/2009, 11:22



أختي الفاضله

بارك الله فيك لجهدك المثمر الطيب


وكل عام وانت بكل الخير والسعاده













[img:3e7c]http://www.althkra.net/pic/ep/32[2.gif[/img:3e7c]










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alalamy.hooxs.com
هويدا رأفت الجندى
مراقب عام
مراقب عام


انثى
عدد الرسائل: 4821

بلد الإقامة: مصر



نقاط: 4155
السٌّمعَة: 11


مُساهمةموضوع: رد: ابن قتيبة وابن طباطبا   14/9/2009, 16:14

الوتر الحزين كتب:


أختي الفاضله

بارك الله فيك لجهدك المثمر الطيب


وكل عام وانت بكل الخير والسعاده













[img:e281]http://www.althkra.net/pic/ep/32[2.gif[/img:e281]



بارك الله فيك أستاذى الكريم

شرفنى تواجدك وحضورك الطيب

بانتظار مرورك دوما

دمت فى حفظ الرحمن ورعايته


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبير عبد القوى
مشرفة
مشرفة


انثى
عدد الرسائل: 9393

بلد الإقامة: مصر



نقاط: 11680
السٌّمعَة: 30


مُساهمةموضوع: رد: ابن قتيبة وابن طباطبا   26/10/2009, 21:26




أختى الغالية يسعدنى ما قدمته يداك

من افادة واثراء للعقول

دمت بكل الود













((( هديـــــــــــــل الحمـــــــــام )))
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alalamy.hooxs.com/montada-f27/
 

ابن قتيبة وابن طباطبا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشاعر عبد القوى الأعلامى ::  :: -